عندما تتحوّل المياه إلى سلاح وجرح: أزمة المياه في سوريا عند تقاطع الحرب والحوكمة والجندر والمناخ
اسمي داليه عبد الرحمن، من دير الزور مهندسة زراعية وباحثة في قضايا المياه والتغير المناخي في سوريا، ماجستير في تغير المناخ وأثره على الموارد المائية، وعضوة في فريق السياسات ضمن «كلايمت سايرنز». لماذا كتبتُ هذا المقال؟ لم تكن أزمة المياه في سوريا يوماً بالنسبة لي مجرد موضوعٍ نظري للدراسة بل هي واقعٌ حيّ وتجربة عشتُ تفاصيلها عن قرب. أردتُ من خلال هذا المقال أن أُسلط الضوء على الأبعاد الخفية لهذه الأزمة، وكيف تتشابك خيوطها المعقدة بين الحرب، الحوكمة، ومفهوم الجندر.
My name is Lin Mustafaalhasan and I am finishing my degree in electrical and electronics engineering. Alongside my studies, I currently volunteer with Climate Sirens as a web developer, policy researcher, and part of the communications team, and I've also volunteered in peacebuilding, education, and women's rights spaces. Feminism, particularly what it means and demands in the SWANA region, is something I care about deeply, and it shapes how I see almost everything else I work on. I've always loved research across multiple fields, it's what ties everything together for me. Syria's water crisis worsened by climate change falls hardest on women and it sits right at the intersection of everything I care about, systems, policy, and women's rights in SWANA. That's why I wanted to research this topic and highlight the role women play in it.
قد يكون اختزال أزمة المياه في سوريا إلى مجرّد أزمة جفاف أسهل طريق لسوء فهمها. فالجفاف له نهاية، أمّا هذه الأزمة فلا نهاية واضحة لها.
لقد تعرّضت البنية التحتية المائية في سوريا لانهيار متعدد الأبعاد. فالمياه الجوفية تتلوّث، وشبكات الإمداد تنقطع، وأنظمة الصرف الصحي تتعطّل، وقنوات الري تتصدّع، فيما تغمر الفيضانات القرى نفسها كل شتاء نتيجة غياب صيانة المجاري المائية وتنظيفها. وعلى مدى أكثر من أربعة عشر عاماً، إمّا قصفت الحكومة السورية البنية التحتية بشكل مباشر، أو تركتها تتدهور وتُدمَّر بفعل النزاع. في كانون الثاني 2025، أفاد رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأن جهود إعادة التأهيل أعادت خدمات المياه إلى ما يتراوح بين 40 و50 في المئة من مستويات ما قبل النزاع (Alkousaa, 2025). وفي تقديرات البنك الدولي، تبلغ كلفة إعادة الإعمار المادي نحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، منها قرابة 82 مليار دولار مخصّصة للبنية التحتية وحدها (World Bank, 2025). وعلى مستوى الحياة اليومية في القرى، لا تعني نسبة 40 في المئة سوى صنبور يعمل لساعتين فقط في الصباح، وأرض زراعية تُترك بلا زراعة، وأسرة تضطر إلى شراء المياه من صهاريج خاصة بدل الحصول عليها عبر الشبكة العامة.
القاتل الصامت الذي جاء أولا
لم يبدأ انهيار قطاع المياه مع اندلاع الحرب. فبحلول اللحظة التي ظهرت فيها أولى الاحتجاجات عام 2011، كانت سوريا قد شهدت بالفعل موجة جفاف حادّة استمرت لعدة سنوات، بدأت قرابة عامي 2006–2007 وامتدت حتى عام 2010، فيما كانت آثارها تتفاقم بصمت في المجتمعات الريفية (Femia & Werrell, 2012; Kelley et al., 2015).
وقد وصفت التقارير آثار الجفاف في شمال شرق سوريا بأرقام صادمة؛ إذ تلِفَت المحاصيل الزراعية، وخسر مربّو الماشية نحو 85 في المئة من قطعانهم، فيما اضطر ما يصل إلى 1.5 مليون شخص إلى الانتقال من المناطق الريفية نحو المدن (Femia & Werrell, 2012). غير أنّ هذه التقديرات لا تزال محل نقاش، إذ تشير دراسات أحدث إلى أن جزءاً كبيراً من التنقّل السكاني قبل الحرب كان مؤقتاً أو دائرياً، وأن تراجع الأرياف وضغوط النزوح الداخلي سبقا موجة الجفاف نفسها (von der Kammer et al., 2025).
وكانت منطقة شمال شرق سوريا، ولا سيما محافظتي الحسكة ودير الزور والمناطق الزراعية البعلية المحيطة بها، من أكثر المناطق تضرراً. فقد شاهد صغار المزارعين مواسم الزراعة البعلية تتهاوى عاماً بعد عام مع استمرار انحباس الأمطار. كما تراجع إنتاج القمح، الذي بلغ متوسطه 4.1 ملايين طن متري سنوياً بين عامي 2002 و2011، إلى نحو 1.05 مليون طن فقط بحلول عام 2021، أي ما يعادل ربع متوسط الإنتاج قبل الأزمة، وهو أدنى مستوى يُسجَّل منذ عقود (Food and Agriculture Organization of the United Nations [FAO], 2021).
وفي المقابل، قُدّرت خسائر القطاع الزراعي بين عامي 2011 و2016 بنحو 16 مليار دولار، من بينها 3.2 مليارات دولار ناجمة عن الأضرار التي لحقت بشبكات الري وغيرها من البنى التحتية الزراعية (FAO, 2017).
قد يكون من السهل توصيف ما تلا ذلك بوصفه هجرة مدفوعة بالجفاف، لكنّ هذا التفسير لا يروي كامل القصة. فقد انحبست الأمطار فعلا، لكن السياسات العامة هي التي حدّدت من كان قادراً على النجاة من تبعات هذا الانحباس.
لقد نشأت هشاشة المجتمعات الريفية نتيجة تفاوت كبير في قدرة السكان على الوصول إلى شبكات الري، والمياه الجوفية، والدعم الزراعي، والمساندة الحكومية. كما تشير دراسات حديثة إلى أنّ تراجع الأرياف وضغوط التنقّل السكاني سبقا موجة الجفاف، ولا يمكن تفسيرهما بعوامل الهطول المطري وحدها (Gleick, 2014; von der Kammer et al., 2025).
وكانت المياه الجوفية قد استُنزفت بالفعل نتيجة زراعات كثيفة الاستهلاك للمياه، ولا سيما القطن والقمح، إلى جانب أنماط ري غير فعّالة. وفي عامي 2008 و2009، أدّى خفض الدعم عن الوقود والأسمدة إلى ارتفاع حاد في تكاليف الإنتاج، خصوصاً بالنسبة إلى المزارعين المعتمدين على أنظمة الري التي تعمل بالديزل (Gleick, 2014). لذلك، لم يكن الذين انتقلوا إلى أطراف دمشق وحلب ومدن أخرى «لاجئين بيئيين» بالمعنى المباشر أو التبسيطي. فقد عكس نزوحهم إخفاقاً أعمق في الحوكمة.
ينبغي عدم إغفال الخلفية السياسية لهذه الأزمة. فخلال معارك وادي بردى في أواخر عام 2016 وبداية عام 2017، تعرّضت منشأة عين الفيجة، التي تغذّي دمشق بالمياه، للقصف. وقد خلصت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة إلى أنّ سلاح الجو السوري استهدف النبع عمداً، بما يشكّل جريمة حرب تتمثّل في مهاجمة منشأة لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين (Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic, 2017).
ونتيجة لذلك، انقطع نحو 5.5 ملايين شخص عن مياه الشبكة لأكثر من ثلاثة أسابيع (Saker, 2017). ولا يمثّل هذا الاستنتاج مجرّد خلفية تاريخية، بل يشكّل السياق الذي ينبغي أن تُقرأ من خلاله كل حادثة لاحقة تُدرج تحت مسمّى الكارثة الطبيعية. فأزمة المياه في سوريا لم تنشأ من موقعها الجغرافي أو نتيجة لسوء الحظ. بل زادت حدّتها بفعل قرارات سياسية وعسكرية محددة: ما الذي يُستهدف؟ وما الذي لا يُعاد بناؤه؟ وما الذي يُترك دون صيانة أو إصلاح حتى تتفاقم الأضرار مع مرور الوقت؟
« ما الذي يُستهدف؟ وما الذي لا يُعاد بناؤه؟ وما الذي يُترك دون صيانة أو إصلاح حتى تتفاقم الأضرار مع مرور الوقت؟
»
من يتحمل عبء أزمة المياه؟
تتحمل النساء تبعات هذه الأزمة بطرق لا تزال البيانات المتاحة قاصرة عن رصدها بالكامل. ولا تزال التقارير الوطنية المتاحة غير مفصلة بما يكفي لإظهار الآثار الصحية والوقائية الكاملة لأزمة المياه في سوريا، من منظور النوع الاجتماعي.
وتستحق هذه الفجوة في البيانات التوقف عندها، لأنها ليست فجوة محايدة. فهي تعكس ما تقرر المؤسسات قياسه وتوثيقه، وما تكون مستعدة لتركه خارج دائرة الرؤية.
يقع هذا العبء بشكل غير متناسب على النساء والفتيات. إذ تُقدَّر المدة التي تقضيها النساء والفتيات يومياً في جمع المياه عالميا بنحو 250 مليون ساعة، بما يترتب على ذلك من آثار على التعليم، وسبل العيش، والصحة، والسلامة (UNESCO, 2026).
وفي سوريا، يتضاعف هذا العبء ضمن سياق من النزوح الجماعي، والفقر، وانهيار الخدمات، وتفكك الأسر، حيث قد يكون الرجال قتلى، أو مفقودين، أو معتقلين، أو غائبين. وهذا يعني قضاء وقت أطول قرب مصادر مياه غير آمنة، وتحمّل مسؤولية أكبر في نقل الأطفال عند بدء الفيضانات، والتعرّض لمياه ملوّثة بدرجة أعلى عندما تتعطل شبكات الصرف الصحي وتصريف المياه. كما يعني وقتاً أقل للعمل المأجور، أو التعليم، أو الراحة، أو التعافي. ولا يرتبط أي من ذلك بعوامل بيولوجية. فعندما تنهار أنظمة المياه، غالباً ما تدفع الأسر النساء والفتيات إلى جلب ما تبقّى من المياه.
أما الآثار الصحية، فهي موثّقة لكن بصورة غير مكتملة. وتشير اليونيسف إلى أنّ الأضرار والاضطرابات المرتبطة بالنزاع قد أثّرت في إمكانية نحو 14.6مليون شخص بالوصول الآمن والمنتظم إلى المياه الصالحة للشرب وغيرها من خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الشخصية ,كما يُحدّد برنامجها في سوريا إدارة النظافة الشخصية أثناء الدورة الشهرية بوصفها جزءاً من الاستجابة (UNICEF, n.d.).
ويمكن أن يؤدي ضعف الوصول إلى المياه، والصرف الصحي، والخصوصية، ومستلزمات صحة الدورة الشهرية إلى زيادة المخاطر الصحية والوقائية التي تواجه النساء والفتيات، ولا سيما في بيئات النزوح. غير أنّ البيانات الوطنية الخاصة بسوريا لا تزال محدودة إلى درجة لا تسمح بقياس العبء الكامل بصورة دقيقة.
وفي المناطق الريفية، يمكن أن تدفع ندرة المياه، وتضرّر شبكات الري، وارتفاع كلفة مدخلات الإنتاج الأسر إلى إعادة النظر في جدوى الاستمرار في الزراعة. ولا تنجم هذه القرارات عن الجفاف وحده، بل تعكس الخسارة المتراكمة للبنية التحتية، والخدمات، ومدخلات الإنتاج منخفضة التكلفة (FAO, 2017; Gleick, 2014).
لقد دمّرت الحرب المضخات والأنابيب والمؤسسات المسؤولة عن إدارتها. وفي المقابل، كانت النساء هنّ من يجلبن المياه، ويمدّدن موارد الغذاء المحدودة، ويعتنين بالمرضى، وهو دور كنّ يضطلعن به منذ زمن، لكنه أصبح أشد وطأة مع تفاقم قسوة الحرب.
المساءلة وغيابها
تتوزّع المسؤولية في اتجاهات عدّة، وهذا أحد أسباب بطء مسار المساءلة. وتتحمّل حكومة الأسد المسؤولية الأكثر مباشرة: عن القمع، وعن السياسات الزراعية التي استنزفت المياه الجوفية قبل الحرب، وعن التدمير المتعمّد خلال الحرب، ويُعدّ الهجوم على عين الفيجة الحالة الأبرز والأكثر توثيقاً في هذا السياق.
كذلك، أثّرت العقوبات الغربية في مسار التعافي. فقد صرّح رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر لوكالة رويترز بأن القيود المرتبطة بالعقوبات على توريد قطع الغيار تعرقل جهود إعادة التأهيل (Alkousaa, 2025).
بالتأكيد لا ينبغي التعامل مع هذه الأفعال كما لو كانت أفعالا متماثلة، لكنها تتقاطع عند النتيجة نفسها: تتعطّل الأنظمة، وتتأخر أعمال الإصلاح، ويدفع المدنيون الكلفة.
لهذا السبب، ينبغي إدراج أزمة المياه في سوريا ضمن لغة العدالة، لا ضمن لغة الاستجابة للكوارث فحسب. فبموجب قوانين الحرب، يمكن اعتبار استهداف البنى التحتية الأساسية التي يعتمد عليها المدنيون للبقاء، مثل مصادر المياه، جريمة حرب. وقد كرّس استنتاج لجنة التحقيق بشأن عين الفيجة هذا المبدأ في السياق السوري (Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic, 2017).
إن تدمير الأنظمة التي أبقت الناس على قيد الحياة ينبغي أن يكون موضع تحقيق، لا أن يُلطَّف بوصفه ضرراً جانبياً. وقد أظهرت المحاكم الأوروبية، من خلال ملاحقات قضائية استندت إلى الولاية القضائية العالمية بحق مسؤولين سوريين سابقين عن جرائم فظيعة، أنّ المساءلة لا تستلزم بالضرورة وجود نظام قضائي محلي فعّال (European Center for Constitutional and Human Rights [ECCHR], 2022). وعليه، نرى أنه ينبغي النظر في اعتماد مقاربات تحقيق مماثلة عندما يُحتمل أن تشكّل الهجمات على البنية التحتية جرائم دولية. كما يجب أن تتبع هذه التحقيقات الأدلة أينما تقود، بغضّ النظر عن الجهة التي نفّذت الهجوم أو الجهة التي تتولى السلطة حالياً.
العدالة البيئية ليست مجرد تعبير بلاغي
في سوريا، العدالة البيئية ليست مجرّد شعار. فهي تعني أمور جد ملموسة: كمضخة مياه تعمل حتى نهاية آب، وقناة تصريف تُنظَّف قبل أمطار الشتاء، وخط ريّ يسمح لأسرة بالبقاء في أرضها. وهي أيضاً وجود وزارة تملك الكادر والكهرباء والقدرة المؤسسية اللازمة لإبقاء كل ذلك قائماً بعد انتهاء الاستجابة الدولية وانسحابها.
المزارعون السوريون لم يتسببوا في التلوث الذي يرفع حرارة المنطقة في الهلال الخصيب. ومع ذلك، يدفعون ثمنها بواسطة بنية تحتية كان النظام والحرب قد أفرغاها من قدرتها على الاستمرار.
لا ترقى الاستجابة العالمية إلى حجم هذا العبء. فالصندوق المخصص لمعالجة الأضرار، والذي أُنشئ خلال مؤتمر الأطراف السابع والعشرين وجرى تفعيله خلال مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين، كان قد تلقّى تعهدات تقارب 822 مليون دولار بحلول آذار 2026 (Fund for Responding to Loss and Damage [FRLD], 2026). في حين تشير تقديرات مستقلة إلى أنّ الدول النامية قد تحتاج إلى ما يصل إلى 400 مليار دولار سنوياً لتغطية الخسائر والأضرار بحلول عام 2030 (Pill & Hammersley, 2024). وهذا يعني أنّ المبلغ المتعهَّد به لا يساوي سوى نحو 0.2 في المئة من كلفة سنة واحدة وفق الحد الأعلى لهذه التقديرات.
وهنا تبرز الفجوة الأساسية. فالدول الأعلى انبعاثاً تواصل التفاوض على حصتها من تحمّل الكلفة، فيما يخسر المزارعون السوريون القمح بسبب الجفاف وتفقد التربة السطحية بسبب الفيضانات، وتكافح المؤسسات العامة للحفاظ على الأنظمة التي كان بإمكانها الحد من هذه الخسائر.
لسوريا حق قوي بالحصول على تمويل مرتبط بالعدالة البيئية، ولا سيما في مجالي التكيّف ومعالجة الخسائر والأضرار. فقد ساهمت بنحو 0.1 في المئة فقط من انبعاثات CO2 العالمية الناتجة عن احتراق الوقود عام 2023 (International Energy Agency [IEA], n.d.)، وهي تدفع ثمن أزمة صُنعت بمعظمها في أماكن أخرى. ففيضانات الفرات في أيار 2026 (Al Abdo, 2026)، وجفاف عام 2025 (El Safty & El Dahan, 2025)، والاستنزاف المستمر للمياه الجوفية، تتراكم جميعها لتضغط على بنية تحتية كانت الحرب قد حطّمتها أصلاً.
لن يمحو المال آثار الحرب، لكنه يمكن أن يعيد بناء العوامل التي تحدد ما إذا كان الجفاف أو الفيضان التالي سيؤدي إلى تدمير محصول جديد. ففي أيار 2025، سددت سوريا ديونها للبنك الدولي، ما أعاد لها أهليتها للحصول إلى تمويل جديد مشروط بالسياسات التشغيلية المعمول بها (World Bank, 2025a). ستخلق هذه الأهلية فرصة للحصول على تمويل مستقبلي، لكنها لا تضمن، بحد ذاتها، الاستثمار في المضخات، أو قنوات التصريف، أو الكهرباء، أو المؤسسات اللازمة لإبقاء هذه المنظومات قيد التشغيل.
وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن يصل التمويل المستقبلي إلى الفئات التي خسرت أكثر وتلقّت أقل: صغار المزارعين، والنساء النازحات، والتجمعات غير الرسمية على امتداد الفرات والعاصي. فلا يمكن أن يستمر تمويل التكيّف، ودعم الخسائر والأضرار، وتمويل إعادة الإعمار في مسارات منفصلة، بينما هي عملياً تموّل الاحتياجات نفسها في المكان نفسه. فالعدالة البيئية في سوريا تعني بناء أنظمة تعمل خلال الطوارئ، لا الاكتفاء بنقل المياه بالصهاريج أثناء وقوعها.
الخاتمة
في سوريا اليوم، لا يقتصر سوء إدارة المياه على مسألة العطش. بل يتعداها إلى مسألة من يدفع الكلفة عندما تعود المياه بشكل يسبب أضراراً كبيرة مثل الفيضانات، ومن يدفعها عندما لا تعود أصلاً.
فقد ألحقت فيضانات أيار 2026 أضراراً بالمنازل والأعمال التجارية والأراضي الزراعية على امتداد نهر الفرات، ودفعت إلى عمليات إجلاء، كاشفةً هشاشة التجمعات السكنية المنخفضة على ضفاف النهر وضعف البنية التحتية (Al Abdo, 2026). أما جفاف عام 2025، وهو الأسوأ منذ 36 عاماً، فقد وقع على أنظمة ري كانت متضرّرة أصلاً بفعل الحرب، وعلى قطاع زراعي يكافح ارتفاع التكاليف ومحدودية القدرة على الاستجابة (El Safty & El Dahan, 2025; FAO, 2017).
وتتحمّل النساء تبعات ما تخلّفه هذه الأنظمة المنهارة. فعندما تتوقف المضخات، يخرجن لجلب المياه. وعندما يفشل الموسم الزراعي، يتدبّرن ما تبقّى من الغذاء لإعالة أسرهن. وعندما تنهار أنظمة الصرف الصحي، يتحمّلن تبعات ذلك من ازدياد مخاطر الأمراض، وتدبير احتياجات الدورة الشهرية، وتلبية احتياجات الأمهات والحوامل التي كان من الممكن أن تصبح أكثر احتمالاً لو توفرت المياه والخصوصية. وعندما تواجه الأسرة قرار البقاء في أرضها أو مغادرتها، تتحمّل النساء ثقل هذا القرار، كما يتحمّلن أعباء العمل التي تترتب عليه.
لقد أحصى هذا المقال خسائر القمح، وقياس معدلات الهطول، وحجم التمويل. لكنه لم يتمكن من قياس الساعات التي تقضيها النساء في أرياف إدلب وحماة ومنطقة الجزيرة في إبقاء أسرهن على قيد الحياة وسط هذه الفجوة، لأن المصادر التي استند إليها لم تتضمن بيانات سورية قابلة للمقارنة عبر الزمن.
ويزيد تغيّر المناخ اتساع هذه الفجوة. فسوريا لم تنتج سوى حصة ضئيلة جداً من الانبعاثات التي تسهم في احترار الهلال الخصيب (IEA, n.d.). ومع ذلك، يأتي الجفاف والفيضانات وتراجع المياه الجوفية ليصيب بنية تحتية أفرغ نظام البعث قدرتها على الصمود، ثم جاءت الحرب فحطّمتها، كما اصاب سكاناً ريفيين لم تعد لديهم أي قدرة تُذكر على امتصاص هذه الصدمات. ليست الصدمة المقبلة احتمالاً بعيداً، بل مسألة وقت فقط. وستكون النساء أول من يواجهها، وهنّ اللاتي ما زلن يتحمّلن تبعات الصدمة السابقة.
لقد وثّق الباحثون ورصدت منظمات حقوق الإنسان الهجمات على البنية التحتية المائية. ورسم علماء الهيدرولوجيا والعلوم السياسية خريطة إخفاقات السياسات العامة قبل الحرب. أما العمل الذي تؤديه النساء للحفاظ على تماسك الأسر وبقائها، فلا يقل مركزية، حتى عندما لا تقيسه البيانات الوطنية بالمستوى المطلوب.
كل ذلك بات معروفا. لكن ما يبقى عالقاً هو ما إذا كانت السياسات العامة وسياسات التمويل ستدمج بين التكيّف، ومعالجة الخسائر والأضرار، وإعادة الإعمار، بدلاً من التعامل معها كمسارات منفصلة. ولا تزال السلطات والجهات المانحة تواجه المهمة العملية المتمثلة في تمويل الكهرباء، والكادر البشري، والصيانة للمؤسسات الريفية المعنية بإدارة المياه. وفي الوقت نفسه، تواصل الدول صاحبة النسبة الأعلى من الإنبعاثات, التفاوض على حصتها من تحمّل الكلفة.
إن توصيف أزمة المياه في سوريا باعتبارها قصة طقس يُبقي المسؤولية السياسية خارج دائرة الملاحظة. لذلك، فإن كيفية فهم هذه الأزمة وتقديمها تُعد مسألة بالغة الأهمية.
References
Al Abdo, H. (2026, May 26). Flooding from Euphrates River damages homes and prompts evacuations in Syria. Associated Press. https://apnews.com/article/191b954bff28541b578ca15fe3de0ecf
Alkousaa, R. (2025, January 6). ICRC to expand Syria humanitarian efforts beyond $100 mln programme. Reuters. https://www.reuters.com/world/middle-east/icrc-expand-syria-humanitarian-efforts-beyond-100-mln-programme-2025-01-06/
Alsayed, G., & Sanadiki, O. (2025, May 20). Syria's driest winter in nearly 7 decades triggers a severe water crisis in Damascus. Associated Press. https://apnews.com/article/3f2d129001949167beb13ce6cdeb03aa
El Safty, S., & El Dahan, M. (2025, August 18). Historic drought, wheat shortage to test Syria's new leadership. Reuters. https://www.reuters.com/world/middle-east/historic-drought-wheat-shortage-test-syrias-new-leadership-2025-08-18/
European Center for Constitutional and Human Rights. (2022, January 13). Syria trial in Koblenz: Life sentence for Anwar R for crimes against humanity. https://www.ecchr.eu/en/press-release/syria-verdict-anwar-r/
Femia, F., & Werrell, C. (2012, February 29). Syria: Climate change, drought and social unrest. Center for Climate and Security. https://climateandsecurity.org/2012/02/29/syria-climate-change-drought-and-social-unrest/
Food and Agriculture Organization of the United Nations. (2017). Counting the cost: Agriculture in Syria after six years of crisis. https://openknowledge.fao.org/handle/20.500.14283/i7081e
Food and Agriculture Organization of the United Nations. (2021). Special report: 2021 FAO crop and food supply assessment mission to the Syrian Arab Republic. https://openknowledge.fao.org/handle/20.500.14283/cb8039en
Fund for Responding to Loss and Damage. (2026, April 20). Resource mobilisation strategy framing paper (FRLD/B.8/17). https://www.frld.org/sites/default/files/FRLD_B.8_17_Resource%20mobilization%20strategy%20framing%20paper.pdf
Gleick, P. H. (2014). Water, drought, climate change, and conflict in Syria. Weather, Climate, and Society, 6(3), 331-340. https://doi.org/10.1175/WCAS-D-13-00059.1
Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic. (2017, March 10). Human rights abuses and international humanitarian law violations in the Syrian Arab Republic, 21 July 2016-28 February 2017 (A/HRC/34/CRP.3). United Nations Human Rights Council. https://www.ohchr.org/en/hr-bodies/hrc/iici-syria/documentation
International Energy Agency. (n.d.). Syria: Emissions. Retrieved June 23, 2026, from https://www.iea.org/countries/syria/emissions
Kelley, C. P., Mohtadi, S., Cane, M. A., Seager, R., & Kushnir, Y. (2015). Climate change in the Fertile Crescent and implications of the recent Syrian drought. Proceedings of the National Academy of Sciences, 112(11), 3241-3246. https://doi.org/10.1073/pnas.1421533112
Pill, M., & Hammersley, G. (2024, September 9). A climate loss and damage fund that works. Lowy Institute. https://www.lowyinstitute.org/publications/climate-loss-damage-fund-works
Saker, Y. (2017, January 16). Children suffer as taps run dry in Damascus. UNICEF. https://www.unicef.org/stories/children-suffer-taps-run-dry-damascus
UNESCO. (2026). The United Nations World Water Development Report 2026: Water for all people, equal rights and opportunities. UNESCO/UN-Water. https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000397506
UNICEF. (n.d.). Water, sanitation and hygiene. Retrieved June 23, 2026, from https://www.unicef.org/syria/water-sanitation-and-hygiene
von der Kammer, R., Dinc, P., & Eklund, L. (2025). The drought-migration-conflict nexus: Was the Syrian civil war really caused by climate change? United Nations University Institute for Water, Environment and Health. https://doi.org/10.53328/INR25LER002
World Bank. (2025a, May 16). Syria's arrears to the World Bank Group cleared [Press release]. https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2025/05/16/syria-s-arrears-to-the-world-bank-group-cleared
World Bank. (2025b, October 21). Syria's post-conflict reconstruction costs estimated at $216 billion [Press release]. https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2025/10/21/syria-s-post-conflict-reconstruction-costs-estimated-at-216-billion
